في قاعة محكمة مليانة ناس على آخرها كان واقف ولد عنده يجي 15 سنة،

— “القانون يا حاج عرفة ما اتعملش عشان يكون سيف في إيد الشبعان يقطع بيه رقبة الجعان! القانون اتعمل عشان يحمي العدل.. والعدل بيقول إن اللقمة لما تتقطع عن طفل أمه بتموت من الجوع، يبقى المجتمع كله مجرم. أنت بنيت تجارتك من خير الناس اللي في الحي ده، فلما يجوع فيهم طفل، يبقى خيرك ده مغشوش! تدفع الغرامة ولا الشمع الأحمر يتجهز؟”

​الحاج عرفة أتهز من جواه، النبرة ماكانتش مجرد تهديد، دي كانت حكم إلهي صادر من راجل شايف الحقيقة بقلبه مش بس بالكتب. بسرعة، إيده اتمدت لجيب جلبابه

الداخلي، وطلع حزمة فلوس، وعد منها المبلغ وهو بيبص للأرض بكسرة، وحطه على ترابيزة الحاجب.

​في الوقت ده، كان الحرس بيعدوا على القاعة. كل راجل وكل ست، كل محامي وكل شاهد، وحتى العساكر الواقفين على الأبواب، كل واحد طلع اللي يقدر عليه. اللي دفع دولار، واللي طلع خمسة، واللي حط كل اللي في جيبه وهو دموعه نازلة. القاعة اللي كانت من شوية مكان للخوف والمحاكمة، اتحولت لملحمة من التضامن البشري اللي يغسل القلوب.

​الولد — وكان اسمه “حسن” — كان واقف في نص القاعة مش فاهم اللي بيحصل. عينيه الشاحبة كانت بتتطوح بين القاضي وبين الفلوس اللي بتتجمع على الترابيزة. كان حاسس إن جسمه النحيل مش قادر يشيله. الولد ده، اللي قضى يومه يمسح جزم وعربيات الناس عشان يرجع بقرشين يشتري بيهم لقمة، ماكانش متعود إن حد يبص له بنظرة رحمة، ماكانش متعود غير على الخبط باليد أو الشتم باللسان.

لمتابعة القراءة اضغط على الرقم التالي في الصفحة التالية

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *